المنجي بوسنينة

108

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شديد الاهتمام بالشباب الذين انشرح صدرهم للإسلام ، وبتربيتهم وتوجيههم وتشجيعهم ، وإتاحة كلّ فرصة أمامهم لكي يتحمّلوا المسؤولية ويتدرّبوا على القيادة الإسلامية . وكان من حظّ معاذ أن اكتسب هذه الصّفة ، فكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يحب معاذا ويقرّبه إليه ويبذل له النصائح ، ويشرح له ما استغلق عليه من أمور دينه ودنياه ، وبعد أن استشفّ الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم استعداد معاذ ، ومواهبه التي تؤهله لذلك . وعن معاذ بن جبل قال : أخذ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بيدي ، ثمّ قال : « يا معاذ ، والله إنّي لأحبّك » . فقال له معاذ : بأبي وأمّي يا رسول الله ، وأنا والله أحبّك . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أوصيك يا معاذ : لا تدعن في دبر كلّ صلاة أن تقول : اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » . وكان الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم يدافع عنه ويستمع إلى آرائه ، وكان يقول لكلّ من يتكلّم عنه : « تدع عنك معاذا ، فإنّ الله يباهي به الملائكة » . وكان معاذ رضي اللّه عنه يحضر كلّ مجالس الرسول صلى اللّه عليه وسلم التي كان الصحابة يحضرونها ، ومجالسه صلى اللّه عليه وسلم مع الوفود التي كانت تأتي للزيارة والدخول في الإسلام . وقد لقّبه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ب « إمام العلماء يوم القيامة » . واختاره الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليكون عامله وسفيره لدى أهل اليمن الذين وفدوا عليه وطلبوا منه أن يرسل إليهم من يعلّمهم دينهم ويفقههم فيه ، وعندما ركب معاذ للسفر إلى اليمن ، مشى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى جانبه يوصيه ، فقال : « يا معاذ ، أوصيك وصيّة الأخ لشقيق ، أوصيك بتقوى الله ، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء ، وقل الحقّ ولا تأخذك في الله لومة لائم » . ثم قال له : « يسّر ولا تعسّر ، وبشّر ولا تنفّر » . وظلّ معاذ يعلّم أهل اليمن القرآن وأحكام الإسلام وشرائعه ، ويفقههم في أمور دينهم حتّى كان ذات ليلة وقد رأى معاذ فيما يرى النائم أنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد فارق الدنيا ، ولمّا اشتدّ عليه هذا الهاتف ، أخذ بزمام راحلته متوجّها نحو المدينة ، فتأكّد لديه خبر وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فكان ذلك آخر عهد معاذ باليمن سنة إحدى عشرة للهجرة ، بعد أن مكث هناك اثني عشر شهرا . وظلّ معاذ بن جبل في مكّة طوال خلافة سيّدنا أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه ، يعلم الناس ، ويلجأ إليه أبو بكر رضي اللّه عنه في أمر الإفتاء ، ويستشيره في كلّ الأمور ، وخاصّة في جمع القران من صدور الرجال ومن الصحف التي كتبها بعض الصحابة في مكّة وفي المدينة . ثمّ ارتحل معاذ رضي اللّه عنه في خلافة سيّدنا عمر رضي اللّه عنه في السنة الثالثة عشرة للهجرة إلى الشام وبتكليف من سيّدنا عمر ، واستقرّ معاذ ومعه زوجتاه وابنه عبد الرحمن في بلاد الشام . ثمّ بدأ معاذ في إلقاء دروسه وتعليم الناس أمور دينهم ، وتعريفهم بالحلال والحرام ، حتّى تخرّج على يديه نفر كثير من التابعين من العلماء والفقهاء الذين حملوا راية الإسلام في ربوع الشام ونشروه في الممالك الإسلاميّة ؛ كأبي مسلم الخولاني ومسلم بن عبد الله الخزاعي . وكانت وفاة معاذ رضي اللّه عنه في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة ، وهو ابن ثمان وثلاثين